أبي المعالي القونوي
23
رسالة النصوص
يبدو لناظر الا في منظور ( 1 ) . ومنها ، ان الشيء لا يصدر عنه ولا يثمر ما يضاده ويباينه على
--> ( 1 ) اى كل ما هو سبب في ظهور صور جزئيّاته ونسب تعلَّقاته من الحقيقة والطبيعة الكليّة الاسمائيّة الإلهيّة والكونيّة والتجلَّى الكلَّى الأحدىّ ، انبساطي الانبساطي ، فانّه من حيث إنه سبب وعام النسبة ، لا يتعيّن بظهور معين واحد من ظهوراته ، بل بظهور كلّ معيّن كالوجود العام من حيث نسبة عمومه إلى الكل ، لا يتعيّن بتعيّن مخصوص من تعيّنات نسب ظهوره . فكل من الحقائق والطبايع إذا اعتبر ولوحظ من حيث إحاطته وانبساطه واشتراكه وكلَّيته لا من حيث الطبايع وطبيعتها ، لا يتعيّن بتعيّن واحد وظهور خاصّ من التعيّنات والظهورات ، بخلاف ما إذا اعتبر من حيث نفسه وطبيعته من غير اعتبار سببيّته العامّة واشتراكه ، فانّه يتعيّن بحسب مظهر ومظهر . والاعتبار الأول نظير الكلَّى العقلي الذي لا وجود له في الخارج ، كالحقيقة الانسانيّة من حيث عموم نسبتها وكلَّيتها ، فانّها حينئذ لا يقتضي تعيّن زبد أو عمرو ، أو غيرهما . والاعتبار الثاني هو الكلى الطبيعي ، اىّ الحقيقة المأخوذة لا بشرط ، لا المأخوذة بشرط لا شيء ، اى الحقيقة من حيث إطلاقها والفرق بينهما ظاهر ، إذا الأولى ليست من حيث هي كلَّية ولا جزئيّة ولا واحدة ولا كثيرة ، ولا سببا ولا مسببا ، ولا غير ذلك . اى لم يعتبر فيها شيء منها ، فهو المطلق الحقيقي الغير القابل للمقيّد ، بخلاف الثانية ، لاعتبار الكليّة وقيد الإطلاق ، اى التجرّد عن القيود فيها ، فهو اطلاق ضدّه التّقييد . وبالجملة فاعتبار الشركة والكليّة تنافي اعتبار تعيّن خاص جزئي ، لأنّه اعتبار عدم الشركة ، فلا يجتمعان . ولذا قال الشيخ رضي الله عنه : لا يتعيّن بظهور من ظهوراته فالتنوين في ظهور للوحدة ، اى ظهور واحد معيّن ، وكل من التعيّنات الخاصّة لا يعتبر في مرتبة ذات الحقيقة المطلقة والحقيقة من حيث إطلاقها . فلا فرق ولا امتياز بينهما من هذه الجهة ، بل الفرق من جهة اعتبار قيد العموم والإطلاق في الثاني دون الأول ، ولذا لا يتعيّن الثاني بحسب مظهر ، مظهر ، بل بظهور كل معين ، بخلاف الأول ، فانّه يتعين بحسب مظهره ، مظهر فالظاهر بالنسبة إلى الحقيقة من حيث اعتبار الإطلاق والعموم والانبساط بمنزلة أجزاء الحد ، فما لم تعرف أجزاء الحد بتمامها ، لم يعرف فالتجلى الأحدى من حيث انبساطه على الكائنات واحاطته ، يكون ومتجددا بحسب المظاهر ؟ ، فكان كلّ الحصص والمظاهر بمنزلة أجزاء الحد ، يتوقف معرفة المحدود عليها - ومن البيّن حينئذ عدم حصول التعيّن للمحدود بظهور تعين واحد وعدم تميّزه للناظر في منظور واحد من جزئيّاته ، كما لا ينشرح الفائض على الكائنات من حيث نعت العموم ووصف الكمال والإحاطة بالتمام لا من حيث طبيعته النورية بالنور المتعلق بذرة من الذرات ، وكذا حال القطرة مع البحر المحيط من حيث الإحاطة لا من حيث طبيعة المائية ، فان النور وكذا الماء من حيث طبيعتهما وحقيقتهما يحصل لهما المتعيّن بظهور واحد معيّن جزئي ، وتتميّز للناظر في منظور جزئي فافهم ( من الأستاذ المحقق آقا ميرزا هاشم رشتى ) . قوله : « في منظور » التنوين في منظور للجنس ، يعنى ان الحقائق المجرّدة لا يبدو ولا يتميّز للناظر في عالم الحس الا في جنس المنظور ، اى الحقائق من حيث تجرّدها وكلَّيتها وحديتها ، لا يدرك ظاهرا ، بل المدرك والمتميّز من حيث الظاهر هو المظاهر والتعيّنات الخاصة والمنظورات الجزئيّة ، ويناسب المقام لتوضيح المرام نقل كلام من الشيخ الكبير المصنّف طاب ثراه قال في تفسير الفاتحة : للعلم الإلهي الذي هو النّور نسبتان ، نسبة ظاهرة ، تفاصيلها الصّور الوجودية والنور المنبسط على الأكوان المدرك في الحس المفيد تميز الصور بعضها عن بعض هو حكم النسبة الظاهرة من حيث كليتها وأحديّتها . وانّما قلت : حكم النسبة الظاهرة ، من أجل ، انّ النور من حيث تجرده لا يدرك ظاهرا ، وهكذا حكم كل حقيقة بسيطة ، وانّما يدرك النور بواسطة الألوان والسّطوح القائمة بالصور ، وكذا سائر الحقائق المجردة لا يدرك ظاهرا الا في مادة انتهى موضع الحاجة . والظاهر أن الواو ، في قوله ولا يثمر ( إلى آخره ) للعطف ، ويمكن ان يكون للحال ، اى لا يمكن ان يتعيّن بظهور خاصّ معين ، والحال من شأنه انّه لا يبدو لناظر الا في جنس المنظور وإذا عرفت ما ذكرنا ظهر انه لا تنافي بين ما قال الشيخ في هذا الكتاب ، اى لا يبدو لناظر الا في منظور ، وبين ما قال في مفتاح الغيب على ما في أكثر النسخ المعتبرة ، ولا يتميز لناظر في منظور فانّ معناه على ما في المفتاح : انّه لا يتميّز ولا يعرف في عالم الحسّ في منظور جزئي معيّن من جزئيّاته ، بل في كل منظور على أن يكون التّنوين في منظور للوحدة ، كما في قوله : مظهر في الجملة الأولى ، فعلى هذا يكون الجملة الثانية كالأولى في المفاد والمأخذ ، فكأنّها تأكيد الأولى فافهم . وظهر لك أيضا عدم التنافي والمخالفة بين كلاميه في المنصوص اى قوله : لا يتعيّن بظهور . وقوله : ولا يبدو لناظر الا في منظور . كما قد يتوهّم في المقام ، هذا ما استفدته . تدبّر وتأمل لعلَّك ان تفهم مراد الشيخ فهم حق ، فانّى معترف بالعجز والقصور عن درك مرام أمثال الشيخ من الأكابر ، سيّما قد اتّفقت هذه التعليقة منّى من غير تأمّل سابق وتدبّر تام لا حق لضيق المجال وتفرّق البال ، والله أعلم بحقيقة الحال ، ش .